مجمع البحوث الاسلامية
798
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
لأحوال الآخرة ، وأنّ الإنسان يحسب الجبال يومئذ جامدة ، وليست كذلك ، بل تمرّ مرّ السّحاب ، وهي في صورة الجبال ، لأنّ للّه أتقن صنعها في الدّنيا ، ويشهد بذلك قوله : إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ ، فإنّه راجع إلى جزاء الآخرة على الأعمال . وقال الزّمخشريّ في ( صنع اللّه ) : « يعني به الإثابة والمعاقبة ، وجعل هذا الصّنع من جملة الأشياء الّتي أتقنها ، وأتى به على الحكمة والصّواب . . . يعني أنّ مقابلته الحسنة بالثّواب ، والسّيّئة بالعقاب ، من جملة إحكامه للأشياء . . . » إلى أن قال : « فانظر إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه وترتيبه . . . » . ثانيا : ومن ناحية أخرى فقد جاء في آيتين قبلها : أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ النّمل : 86 ، وهذه حالة الدّنيا دون الآخرة ، مع سبقها بآيات حول الآخرة من قوله : وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ، إلى قوله : ( لا ينطقون ) النّمل : 82 - 85 . فوقوع الآية المعنيّة بين آيات القيامة لا يمنع من وصف الدّنيا بها لتقاس بها الآخرة . وهذا هو الّذي يتراءى من كلام غير الزّمخشريّ ، فلاحظ . وعلى هذه الرّؤية فهي وصف للجبال في الدّنيا ، وتأييد لرأي صدر الدّين الشّيرازيّ بالحركة الجوهريّة ؛ إذ قد استدلّ بها ، أي أنّ اللّه أتقن كلّ شيء صنعا ، ومع ذلك فالجبال - وكذا العالم بأجمعه - تتحوّل دائما . وبناء عليه ، فذكر آيات الخلقة وصنعها خلال آيات الآخرة ، من أجل التّدليل على علم اللّه وقدرته وسيطرته على العباد في الآخرة كما في الدّنيا ، وأنّه خبير بأحوال العباد ، وقادر على الحساب والكتاب ، وعلى الثّواب والعقاب ، بلا ظلم لهم ولا طغيان . ثالثا : لم خصّ « الإتقان » في الآية بالخلقة ، وخصّ « الإحكام » بالقرآن في الآيات التّالية ؟ 1 - كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ هود : 1 2 - فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ الحجّ : 52 3 - فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ محمّد : 20 4 - هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ آل عمران : 7 والجواب - على رأي أبي هلال في الفرق بين الإتقان والإحكام - « أنّ الإتقان : إصلاح الخلل ، والإحكام : إيجاد الشّيء محكما بلا خلل . فالقرآن أوحي صحيحا كاملا ، ولم يكن فيه خلل حتّى يتقنه ، أمّا العالم فخلق تدريجيّا وأتقن ، فسدّ خلله » . ومعنى هذا أنّ العالم لم يخلق صحيحا ، وكان فيه خلل فسدّ . والاعتراف به مشكل ، كيف وقد قال تعالى : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ الملك : 3 ، 4 ، وقال : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ السّجدة : 7 ، لاحظ « خ ل ق » .